حيدر حب الله
92
حجية الحديث
الأمر الذي يمنع عن اندراجه حتى ضمن قانون حجيّة خبر الواحد الظني ، لما سنتعرّض له بالتفصيل في بحوثنا اللاحقة - بعد هذا الكتاب - من أنّ دليل حجيّة خبر الواحد لا يشمل الإخبارات الحدسيّة ، وأنّ ما يسمّى بأصالة الحسّ في الإخبار لا واقعيّة لها عقلائيّاً ولا شرعاً ، إذا لم يبلغ احتمال الحدسيّة مبلغاً ضئيلَاً بحيث يصير احتمال الحسيّة عالياً بالغاً حدّ الاطمئنان . نعم لو قال ناقل التواتر بأنّه يوجد خمسون حديثاً بخمسين طريقاً لهذا المضمون مثلًا ، فهذا يمكن أن يندرج في الخبر الحسّي ؛ لأنّه لا يقول : هناك تواتر ، ويسكت ، الأمر الذي يمكن الدخول معه في نسبية تحليليّة ، لكنّه في نهاية المطاف خبر آحادي لا قيمة له - على مستوى مسألة اليقين - ما لم يصل إلى مرتبة العلم بدقّة الناقل ، فنضمّ العلم بدقّة الناقل وأمانته في النقل إلى ناتج المنقول ، ليحصل العلم بالنتيجة ، وهذا وإن أنتج العلمَ ، لكنّه ليس تواتراً مباشراً كما هو واضح . وأمّا ما قد يقال من أنّ قيمة هذا الإخبار بالتواتر مبنيّة على حجية خبر الواحد ، فالمخبر عن التواتر لو كان ثقةً أمكننا إثبات التواتر تعبّداً ، ومن ثم العمل بالخبر المتواتر نفسه ، ونتيجة ذلك أنّ نقل التواتر يفيد الظنّ بالصدور على أبعد تقدير لا العلم ، كما نبّه عليه جماعة « 1 » . هذا الكلام لا ينفع ؛ فإنّه لم يقع التواتر موضوعاً لحكم شرعي حتى إذا أثبت لي الخبر الآحادي وقوع التواتر أمكنني ترتيب الأثر ، وما يحمل قيمةً إنّما هو اليقين الناتج عن وصول التواتر للفقيه ، فكأنّ الناقل للتواتر أخبرني بوجود عدد من الروايات أورثت له علماً ، وعلمه ليس حجةً عليّ . وأمّا أصل صدور الحديث المدّعى تواتره فلما لم يثبت التواتر بما يحمله من خاصيّة العلم ، فغاية ما يُثبت النقلُ عادةً الظنَّ بصدور أصل الحديث ، وليس الخبرَ المعتبرَ ، فلا يكون هذا الظنّ حجّةً إلا على الانسداد بعد فرض عدم وضوح السند لدينا ، إلا إذا كان يُعلم من حال الناقل للتواتر أنّه لا يدّعيه إلا في
--> ( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : استقصاء الاعتبار 1 : 187 ؛ ومصابيح الأحكام 2 : 123 .